فخر الدين الرازي
219
شرح عيون الحكمة
لأن المبادي اما أن تكون مبادئ لجميع مسائل ذلك العلم ، واما أن تكون مبادئ لبعض مسائل ذلك العلم . فأما الذي يكون مبدأ لجميع مسائل ذلك العلم ، فإن لم يكن بينا بذاته فلا بد من تبينه . ولا يمكن أن يبين في ذلك العلم ، لأنا لما فرضناه مبدأ لجميع مسائل ذلك العلم ، فلو فرضناه مع ذلك مسألة من مسائل ذلك العلم ، لزم كون الشئ الواحد مبدأ لنفسه . وذلك محال . فلم يبق الا أن يبين في علم آخر . ثم ذلك العلم الآخر ، اما أن يكون علما لا يمكن اثباته الا بهذا العلم ، أو لا يكون كذلك . والأول باطل ، والا وقع الدور ، لأنا لما فرضنا هذا المبدأ لجميع مسائل ذلك العلم ، وفرضنا هذا العلم مبدأ لذلك العلم الآخر . فلو فرضنا ذلك العلم مبدأ لاثبات هذا المبدأ ، افتقر كل واحد منهما إلى الآخر ، فلزم الدور . وهو محال . فثبت : أنه لا يمكن بيان مبدأ هذا العلم الا في علم آخر يكون ذلك العلم غنيا في ثبوته عن هذا العلم . ويكون حينئذ ذلك العلم أعلى في رتبة المعلومية من هذا العلم . فأما ان كان ذلك المبدأ مبدأ لا لجميع مسائل ذلك العلم ، بل لبعض مسائله . فههنا لا يمتنع اثبات هذا المبدأ في ذلك العلم بعينه ، بشرط أن لا يدور . وذلك هو أن يكون لهذا العلم مبدأ آخر يفي ببعض مسائله . ثم إن ذلك البعض من مسائله ( ما ) يفي باثبات هذا المبدأ ، ثم إن هذا المبدأ يفي باثبات مسائل أخرى غير الأولى . وبهذا الطريق يمكن اثبات شئ من مبادئ علم في ذلك العلم نفسه . وأما قوله : « ومسائل هي المطلوبات » فأقول « 12 » : لما ذكرنا أن أجزاء العلوم البرهانية ثلاثة : الموضوعات ، والمبادي والمطالب . ف « الشيخ » ( لما ) ذكر بعض أحوال الموضوعات والمبادي أردفه « 13 » بهذا الكلام . وهو كلام في المطالب - وهي المسائل - وذكر : أن تلك المطلوبات ربما صارت مقدمات لمطلوبات أخرى . والأمر
--> ( 12 ) قال المفسر فأقول : ص . ( 13 ) وأرفه : ص .